الأربعاء، 19 فبراير 2014

الأسطورة العمياء



الأسطورة العمياء
بقلم يانو دأمرجى أوغلو


" كن أقل فضولا بالناس ,أكثر فضولا بالأفكار" ماري كوري

المتمرد على القران وعلى المجتمع وعلى المواريث الإسلامية , عنترة بن شداد في الشخصية , ابن رشد في الحجج , جاحظي في الأفكار والبيان .
انه الأعمى المتمرد طه حسين .
يعد طه حسين من ابرز رجال الفكر الحر ليس في مصر والعالم العربي وإنما على المستوى العالمي , أديب ناقد كبير لقب "بعميد الأدب العربي" .
نزل طه حسين إلى الميدان وسلاحه العلم وليس الخرافة , كانت مصر آنذاك تعيش تحت ضلال السيوف الانكليزية فالملك فؤاد كان صنيعة للمستعمر .
اتخذ طه حسين منهجا فكريا خاصاً به متأثرا برهين المحبسين أبي العلاء المعري حيث يحمل كل منهما نفس المعاناة وقد كان أبي العلاء المعري يشك في كل شيء كذلك كان متأثرا بفيلسوف الشك الفرنسي ديكارت , إلا إن أصل الشك المنهجي معتزلي مسلكا ومنهجا , ويبني طه حسين منهجه الفكري على أساس علمي بعيد عن كل ماهو غيبي وخرافي وبعيد عن الواقع وكانت ثقافته عصري متطور وكان يمثل الفكر الحر المتجدد .
إرمِ نظّارَتَيْكَ ... ما أنـتَ أعمى
إنّمـا نحـنُ جـوقـةُ العميـانِ

كان كثير الجدال مع علماء الأزهر وكثيرا ما كان يستفزهم , طبعا لان العميد كان مستقل القلب والأفكار , لذلك ثار عليه المجتمع بعد أن طعن في القران وطعن بالدين الإسلامي من عدة الجوانب , وقد اعتبر الشعر الجاهلي شعر منتحل بعد ظهور الإسلام وانه يمثل الإسلام أكثر مما يمثله الجاهلية , لذلك تجد أن الحكومة المصرية تدخل في هذا الموضوع , البرلمان والنيابة ومجلس الوزراء حتى صدر قرار رئيس الوزراء بفصل طه حسين أفندي من وزارة المعارف العمومية , وهذا حال على مر الزمان في الوطن العربي , إقصاء , وحرق الكتب , والقتل كالشهيد فرج فودة .
وفي إثناء وجوده في باريس قام طلاب الأزهر بمظاهرة توجهت إلى منزل زعيم حزب الوافد آنذاك سعد زغلول , وقد تدخل الملك فؤاد شخصيا وطلب من البرلمان المصري مناقشة موضوع الكتاب (في الشعر الجاهلي) ومحاكمة طه حسين , وقد طلب علماء الأزهر إعدام الكتاب , طبعا هذا غباء قد سمعنا بإعدام أناس والمجرمين , ولكن لم نسمع بإعدام الأفكار أو الكتب , وهو يذكرنا بما حدث للابن الرشد وحرق كتبه, وكذلك ابوحامد الغزالي , وكل كتب المعتزلة .

تقول السيدة سوزان ، زوجة عميد الأدب العربي ، الفرنسية الجنسية ، وصفت في كتابها «معك»، والذي يروي حياتها التي امتدت لستة عقود مع زوجها الحبيب ، وصفت مشاعرها في تلك اللحظة قائلةً: "جلست قربه مرهقة متبلدة الذهن ، وإن كنت هادئة هدوءً غريباً ، بالرغم من أن تلك اللحظة المرعبة  أكثر مما تخيلت طوال حياتي، كنا معاً وحيدين ، متقاربين بشكل يفوق الوصف ، ولم أكن أبكي، فقد جاءت الدموع بعد ذلك، ولم يكن أحداً يعرف بالذي حدث ، كان الواحد منا قبل الآخر مجهولاً ومتوحداً ، كما كنا في بداية طريقنا"
سوزان تستكمل وصفها لتلك اللحظة: "بقيت مع جثمانه وحدها نصف ساعة كاملة ، قلت لنفسي وأنا وحيدة معه ، ابني لم يصل بعد ، وابنتي مازالت في الطريق من أمريكا إلى القاهرة ، وهمست ألم نبدأ الحياة وحيدين ، وها نحن الآن ننهيها وحيدين"
في 28/10/1973 ودعت مصر ومعها العالم علماً من أعلام نهضتها الأدبية ورائداً من كبار رجال الفكر الحر .

ضـوءُ عينَيْـكَ أمْ هُمْ نَجمَتانِ؟
كُلُّهمْ لا يَـرى .. وأنـتَ تَراني
لسـتُ أدري مِن أينَ أبدأُ بَوْحي
شجرُ الدمـعِ شـاخَ في أجفاني
قالَ : لا بُدَّ أن تَمـوتَ شـهـيداً
مثلَ كُلِّ العشّـاقِ ، قلتُ عَسَـاني
وطويـتُ الدُّجـى أُسـائلُ نفسي
أَبِسَيْفٍ .. أم وردةٍ قد رمـاني ؟
وَفَتَحْنـا حَـقائِـبَ الأحـزانِ
وقـرأنـا أبـا العـلاءِ قـليـلاً
وقَـرَأنـا (رِسَـالةَ الغُـفْـرانِ)
أنا في حضـرةِ العُصورِ جميعاً
فزمانُ الأديبِ .. كـلُّ الزّمانِ ..
ضوءُ عينَيْكَ .. أم حوارُ المَـرايا
أم هُـما طائِـرانِ يحتـرِقانِ ؟
هل عيـونُ الأديبِ نهورُ لهيبٍ
أم عيـونُ الأديبِ نَهرُ أغاني ؟
من نزار قباني إلى طه حسين



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق