السبت، 15 فبراير 2014

اختزال في الاعتزال



اختزال في الاعتزال
يانو دأمرجى أوغلو

إن المنهجية التي اعتمدها المعتزلة من اجل فهم الكون واستقصاء الأسباب ومحاولة الانتقال من الحقائق الفردية إلى الحقائق العامة , وتنظير العلاقة بين المكلف والمكلف , تؤكد من غير شك اتجاههم العقلي الذي أنضجته قراءاتهم الفلسفية , وأصبحوا من أكثر العلماء الأصول انحيازاً للعقل وعدوه حاكماً بالحسن والقبح في مسائل كثيرة , ترتب على ذلك إبعادا على مستوى العقيدة والأخلاق والسياسة .
يشغل المعتزلة حيزاً كبيراً في التاريخ الإسلامي , ولا يزال الحديث عنهم بعد قرون من نشأتهم وقرون من اختفائهم كمدرسة فكري لها أصولها .
وهكذا كانت مهمة المعتزلة في تحقيق قدر ارفع للبحث الفلسفي إزاء المتساويات والمتشابهات , وكان العقل المعتزلي أداة ارتقاء أساسية في انتقاله من المنطق الشكلي الثابت , إلى وعي عميق بالمختلفات والمتناقضات , فكان مشروعه الحضاري المتقدم , إشارة أخرى لتخطي الحدود التعليمية لعلم الكلام , صوب الحقيقة التي لا شيء يعادلها في الوجود إلا العقل أداة اكتشافها فقد طرح المعتزلة منذ نشأتهم قضايا وناقشوها ولم يكن الفكر الإسلامي المحافظ حينذاك قد اعتاد الخوض فيها , وإنما كان يسلم بها كما وردت من دون بحث أو تأويل , بل كان مجرد سؤال عنها يعد بدعة .
اختزال في الاعتزال تهدف إلى إقامة أعظم قانون هو ( إن الله يأمر بالعدل والإحسان ...) ، فالعدالة من الغايات السامية للإنسانية ، ولم يقتصر الاهتمام بها على شعب دون آخر ، لذلك اهتمت بها النظريات والفلسفات الاشتراكية ، والرأسمالية ، والديمقراطية . فاذا اختلت موازين العدالة اشتكى الناس من الظلم فتنشب الصراعات والحروب . فالإنسان منذ خلق وهو في رحلة البحث عن العدالة متصديا للظلم والاستبداد . وقد كان للفكر الإسلامي الدور البين والواضح في هذا الشأن ، منذ الفارابي) في (مدينته الفاضلة) إلى (إخوان الصفا) في (رسائلهم) إلى (واصل بن عطاء) ، حيث (الحقيقة التي لايعادلها شيء في الوجود إلا العقل أداة اكتشافها) .
 فالعقل هو ما يميز الإنسان ويجعله يحتل مكانة تسمو على الحيوانات ، ومن خلال العقل كان باستطاعتنا الخروج بالاستنتاجات وتفنيد غيرها ، وإصدار الإحكام والخوض في المناقشات ، وتقديم البراهين .
 فالبشر بشكل عام يشتركون على نحو يكاد ان يكون متماثلا ، في القدرة على التفكير العقلاني ، فالعلامات المميزة للعقل واسس الفهم موجودة لدى كل البشر وعن طريق اللغة ينقل الإنسان مفاهيمه العقلية الى المحيطين به .
لا يوجد تنظيم للمعتزلة * يضمّهم وهذا لا يعني أنهم غير موجودين على العكس, ولكن إن إنشاء تنظيم مثل هذا هو كمحاولة إنشاء قطيع من القطط , وذلك لأنهم معتادون على التفكير المستقل وعدم الانصياع لأي نوع من السلطات الفكرية.
ليست تسميتنا بالمعتزلة هي لزيادة الجماعات الإسلامية جماعة أخرى , كلا, وليست هي محاولة لصياغة مذهب آخر يتم التعصب له أو صنم آخر للتقديس, كلا, ولكنها اسمحوا لي, هي كلافتة " ممنوع التدخين " في الأماكن العامة, أي بمعنى لافتتنا هذه " المعتزلة " تعني أنه: الرجاء الانتباه فأنت تتعامل هنا مع أناس يستخدمون عقولهم ولا يستمعون لغير الدليل.
هناك مسلم مقلد, وهناك مسلم يبحث عن دليل يبرّر له ما يؤمن به, وهناك المعتزلي الذي يبحث في كل الأدلة الممكنة.
إن كنت ترفض السائد السطحي غير العميق فأنت معتزلي
إن كنت ترفض أن تكون فردا في قطيع التقليد الأعمى فأنت معتزلي
إن كنت لا تقبل شيئا بغير دليل فأنت معتزلي
وإن كنت متشككا فيما أكتبه فأنت معتزلي
وإن كنت تطالبني بالدليل على كل ما أقدمه لك فأنت معتزلي
لا أحد يولد معتزليا لأن الإعتزال بحث وتمحيص وليس تركة أو إرثا جاهزا
إن كنت تعمل عقلك وتبحث وتنقد وتفند الأدلة وتسبر وتقسم وتفرز وتصنّف المعلومات والأدلة والمعطيات فأنت معتزلي وإن كان لا يعجبك هذا الاسم وتعتزله فأنت بلا شك معتزلي أيضا بأسلوبك الخاص.
لماذا المعتزلة اليوم لأنه لن يكون هناك إسلام بعد غد إن لم يكن هناك معتزلة اليوم, تريد أن تعرف لماذا ؟ اسأل المعتزلة !
[ الاعتزال يؤخذ أخذا ولا يتم منحه ]
كيف تصبح معتزليا :
أسأل نفسك ومن حولك أي سؤال يخطر في عقلك, وحتى السؤال الذي يقول لم أقوم بطرح الأسئلة وإن أجابك أحدهم للحصول على إجابات فاسأله ولم نحن بحاجة إلى الإجابات, وإن أجابك أحدهم أن الإجابات ضرورية أو مفيدة فاسأله ما وجه الضرورة أو الفائدة فيها , وبعد فترة وجيزة سوف تجد أن الجميع قد اعتزلك وأصبحت معتزلا وحينها سوف تعرف أن هناك قلة فقط تجد راحتها في إعمال عقولها حتى آخر فكرة تجول في خاطرها
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* [ خواطر معتزليّة ] ناجح سلهب

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق